فخر الدين الرازي

7

لباب الاشارات والتنبيهات

الآيات كلها ليخرج برأي مقبول سالم عن المعارض . على طريقة التفسير الموضوعي فجهم وأتباعه لما نظروا في آيات تغير العلم ولم يفسروا بقية الآيات ، لم يقبل مذهبهم . والمعتزلة لما نظروا في آيات حرية الإنسان ولم يفسروا بقية الآيات ، نفر العوام عن مذهبهم . وأهل السنة لما نظروا في آيات الجبر ولم يفسروا بقية الآيات تحير العلماء في مذهبهم . ولا بد للمفسر من أن يلاحظ في بدء حديثه ارتباط علم اللّه بالاختيار أو بالجبر . كما يقول شارح العقائد النسفية : « إن العبد لو كان خالقا لأفعاله ، لكان عالما بتفاصيلها . ضرورة أن إيجاد الشئ بالقدرة أو الاختيار ، لا يكون إلا كذلك « 1 » » ومشكلة « خلق القرآن » قد اختلف الناس فيها ، لأنها إما تابعة للجبر وإما تابعة للاختيار . فمن قال إن اللّه تعالى قدر كل شئ في « اللوح المحفوظ » من قبل أن يوجد شيئا ، قال : إن القرآن قديم . وما حديثه عن غزوة بدر وغيرها إلا حكاية عما قدر في علم اللّه من قبل أن يكون . وأكد قدمه بأن القرآن كلام اللّه . واللّه موصوف بالكلام والصفة قديمة مع اللّه في الأزل ، وهي غير منفكة عنه ولا منفصلة . ومن قال : إن اللّه تعالى لم يقدر في اللوح المحفوظ أي شئ . وإنما أراد وعلم أنه سيوجد الكائنات على ما هي عليه . ويحدث كل شئ ، في حينه ابتداء ، قال : إن القرآن حادث ، كما أن الإنسان حادث ، أي أنه كما كان في إرادة اللّه وعلمه أنه سيخلق هذا الإنسان في هذا الوقت - ولما خلقه صار الإنسان حادثا - كان في إرادته وعلمه أن سيوجد القرآن في هذا الوقت - ولما أوجده صار القرآن حادثا - هذا مع استدلالهم بآيات من القرآن مثل : « ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ » ( الأنبياء 2 )

--> ( 1 ) شرح العقائد النسفية - نشر مكتبة الكليات الأزهرية بمصر .